أبي حيان الأندلسي

39

البحر المحيط في التفسير

حالة السفر ، والأولى في حالة الإقامة . وقرأ عبد اللّه بن عمير : ومن حيث بالفتح ، فتح تخفيفا . وقد تقدم القول في حيث في قوله : حَيْثُ شِئْتُما . وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ : هذا إخبار من اللّه تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق ، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل . وفي الأول قال : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، حيث كان الكلام مع سفهائهم الذين اعترضوا في تحويل القبلة ، فردّ عليهم بأشياء منها : أن علماءهم يعلمون أن تحويل القبلة حق من عند اللّه ، وختم آخر هذه الآية بما ختم به آخر تلك من قوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ في امتثال هذا التكليف العظيم الذي هو التحويل من جهة إلى جهة ، وذلك هو محض التعبد . فالجهات كلها بالنسبة إلى البارئ تعالى مستوية ، فكونه خص باستقبال هذه زمانا ، ونسخ ذلك باستقبال جهة أخرى متأبدة ، لا يظهر في ذلك في بادي الرأي إلا أنه تعبد محض . فلم يبق في ذلك إلا امتثال ما أمر اللّه به ، فأخبر تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم ، بل هو المطلع عليها ، المجازي بالثواب من امتثل أمره ، وبالعقاب من خالفه . وجاء في قوله : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ في المكانين ، وفي قوله : وَمَا اللَّهُ في المكانين ، فحيث نبه على استدلال حكمته بالنظر إلى أفعاله ، ذكر الرب المقتضي للنعم ، لننظر منها إلى المنعم ، ونستدل بها عليه ، ولما انتهى إلى ذكر الوعيد ، ذكر لفظ اللّه المقتضي للعبادة التي من أخل بها استحق أليم العذاب . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ : ظاهر هذه الجملة أنها كررت توكيدا لما قبلها في الآية التي تليها فقط ، لا أن ذلك توكيد للآية الأولى ، لأنا قد بينا أن الأولى في الإقامة ، والثانية في السفر ، وأما الثالثة فهي في السفر ، فهي تأكيد للثانية . وحكمة هذا التأكيد تثبيت هذا الحكم ، وتقرير نسخ استقبال بيت المقدس ، لأن النسخ هو من مظان الفتنة والشبهة وتزيين الشيطان للطعن في تبديل قبلة بقبلة ، إذ كان ذلك صعبا عليهم ، فأكد بذلك أمر النسخ وثبت . وكان التأكيد على ما قررناه بتكرير هذه الجمل مرتين ، لأن ذلك هو الأكثر المعهود في لسان العرب ، وهو أن تعاد الجملة مرة واحدة . وقال المهدوي : كررت هذه الأوامر ، لأنه لا يحفظ القرآن كل أحد ، فكان يوجد عند بعض الناس ما ليس عند بعض لو لم يكرر . وهذا المعنى في التكرير يروى عن جعفر الصادق ، ولهذا المعنى وقع التكرير في القصص . وقيل : لما كانت هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا ، كررت للتأكيد والتقرير وإزالة